وول ستريت: هذا ما تقوم به الصين لهدم المجتمعات المسلمة

Turkistantimes , 25.03.2019

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا للصحافيين جوش تشين وكلمنت بيرغ من مدينة أرومتشي في الصين، يقولان فيه إنه في هذه المدينة التي تقع على طريق الحرير التاريخي في غرب الصين انتقلت حملة أمنية تضمنت اعتقال أعداد كبيرة من الناس إلى مرحلة جديدة هي هدم مناطقهم ومسح ثقافتهم.

ويشير التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، إلى أنه بعد عامين من بدء السلطات باعتقال سكان أورومتشي، ومعظمهم مسلمون من إثنية الإيغور، فإنه تم قلع العديد من ركائز حياة وهوية الإيغور، لافتا إلى أن المساجد الفارغة تبقى، أما مدن أكواخ الفقراء التي كانت تحيط بها فقد هدمت، واستبدلت بأبراج زجاجية وأسواق كما هو الحال في باقي الصين.  

ويقول الكاتبان إن “الأكشاك التي كانت تبيع خبز النان الشعبي اختفت، واختفى الشباب الذين كانوا يخبزون هذا الخبز، واختفى الكثير من زبائنهم، واختفت الكتب باللغة الإيغورية من رفوف المكتبات في المدينة التي تعد عاصمة إقليم سنجان، الذي يعد مركزا للمجتمع الإيغوري”.

وتلفت الصحيفة إلى أن تلك الثقافة التركية، التي كانت عنوانا لأجزاء كبيرة من أورومتشي، استبدلت بمطاعم حديثة صينية، حيث لم تعد هناك أفران النان، سوى أن محلات الهدايا التذكارية تبيع مرايا ومفاتيح قناني ووسادات على شكل أرغفة خبز النان.

ويفيد التقرير بأن هذا التحول في مدينة أروومتشي يمثل رأس الحربة في حملة للحزب الشيوعي الحاكم في الصين لتذويب الإيغور، فبكين تقول إن الاعتقالات مكافحة للإرهاب، وبأن الهدم واستثمار مليارات الدولارات في المنطقة سيجلب التطور.

وينقل الكاتبان عن الحاكم الإقليمي شهرت ذاكر، قوله أمام الجلسة التشريعية السنوية في الصين الأسبوع الماضي: “الوحدة الإثنية هي شريان الحياة للمجموعات الإثنية في الصين كلها، وهي أساس الازدهار الاقتصادي سنجان”.

وتورد الصحيفة نقلا عن الخبراء، قولهم إن هدف الحزب هو تعزيز سيطرة الحزب على إقليم سنجان بتغيير الإقليم الذي بقي متمردا لفترة طويلة إلى صورة الحزب، ولتحويل الإقليم إلى مركز لطموحات الرئيس شي جين بينغ في مجال التطوير الدولي.

وينوه التقرير إلى أنه عندما أعلنت خطط تجديد أورومتشي في 2017، فإن صحيفة سنجان اليومية التابعة للحزب قالت إن الحكومة ستعوض المواطنين الذين سيضطرون للانتقال، وبأنها تخطط لإنشاء مناطق سكنية “مصممة بالأخد في عين الاعتبار عادات وراحة جميع الإثنيات”، مشيرة إلى أن الحكومة المحلية في أورومتشي وسنجان لم ترد على أسئلة الصحيفة حول التجديد المدني.

ويذكر الكاتبان أن الحزب الشيوعي الصيني شن حملة عدوانية في إقليم سنجان لمواجهة ما سمته التوجهات العنيفة المتطرفة بين المسلمين ذوي الأعراق التركية، البالغ عددهم 14 مليون نسمة، ومعظمهم من إثنية الإيغور.

وتقول الصحيفة إنه لتحقيق أهدافها في مكافحة التطرف، فإن السلطات قامت باعتقال ما يقدره خبراء الأمم المتحدة بحوالي مليون مسلم في شبكة من معسكرات الاعتقال، وأخضعت الباقي لرقابة رقمية شديدة، لافتة إلى أن القادة الصينيين يطلقون على معسكرات الاعتقال مراكز تدريب مهني، ويروجون لها على أنها فكرة إبداعية في حرب العالم ضد الإرهاب، ويشككون في العدد.

وينقل التقرير عن أحد سكان أورومتشي من أصول إيغورية، ويعمل في شركة تابعة للحكومة، قوله إنه توقف عن الذهاب للمسجد المحلي، بعد أن جاء المسؤولون لبيته لمصادرة مصحفه، وأضاف: “لم نعد قادرين على أن نتعاطى ثقافتنا.. لم يعد أحد يذهب (للمسجد).. إنه خطير جدا”.

ويورد الكاتبان نقلا عن دارين بايلر، الذي يدرس هجرة الإيغور في جامعة واشنطن، قوله إنه من خلال الضغط لمنع بعض أشكال التعبير عن الهوية الإيغورية وتحويل البعض الآخر إلى مجرد تراث، فإن الحكومة تحاول إضعاف العلاقات الإثنية.

وتشير الصحيفة إلى أنه منذ بداية فترة ما بعد ماو في ثمانينيات القرن الماضي، فإن أورومتشي شهدت تفجيرات واحتجاجات واقتتالا إثنيا وأعمال شغب عام 2009، خلفت 200 قتيل وعدد كبير من الجرحى.

ويلفت التقرير إلى أن الحزب زاد منذ ذلك الحين في استخدامه القوة للقضاء على حركة إيغور انفصالية، فتقول بكين إن الحركة الانفصالية يحركها الإسلام الراديكالي، مشيرة إلى أنهم كانوا خلف الهجمات وأعمال الشغب في السنوات التي تبعت.

وينقل الكاتبان عن العلماء والناشطين الحقوقيين، قولهم إن الكثير من العنف هو رد فعل لأساليب الشرطة القاسية في حفظ النظام، وللقيود المفروضة على ممارسة الطقوس الدينية، وللتصور الشائع بين الإيغور بأنه يتم تهميشهم في أرضهم.

وتورد الصحيفة نقلا عن موظف في بار تعزف فيه الموسيقى الحية في أحد أحياء أورومتشي التي تقطنها أكثرية إيغورية، قوله: “كثير من الناس غادروا”، وكان هناك عدد لا يزيد على 12 شخصا في ليلة السبت، ورفض الموظف القول إلى أين ذهب الناس واكتفى بالقول: “ان الأمر سياسي.. لا أستطيع القول”.

وبحسب التقرير، فإنه بعد لحظات دخل ثلاثة رجال يحملون كاميرات مثبتة عليهم إلى البار، وكتبوا أرقام هويات الموجودين من الزبائن الإيغور، وقال الموظف إن الرجال أرسلوا من المسؤولين المحليين، وبأن هذا التفتيش روتيني.

وينوه الكاتبان إلى أن مدينة أورومتشي كانت مدينة عسكرية على مدى 250 عاما، ومعظم سكانها من الأكثرية الهان الصينيين، حيث يشكل الإيغور حوالي 13% من سكان المدينة، مستدركين بأنه خلال سنة واحدة تراجع عدد سكان المدينة في 2017 بنسبة 15% إلى 2.2 مليون، من 2.6 مليون في السنة التي سبقتها، وهو أول تراجع في عدد سكانها منذ ثلاثة عقود.

وتذكر الصحيفة أنه في تلك السنة، وبالتحديد في أيار/ مايو 2017، فإن شرطة المدينة بدأت باعتقال الإيغور المحليين، وأخذهم لمعسكرات الاعتقال، بحسب سكان المدينة، وقالوا إنه في العام ذاته بدأت السلطات تضغط على الإيغور المهاجرين من مناطق أخرى من إقليم سنجان ليعودوا إلى بلداتهم التي قدموا منها، فيما لا تزال حكومة أورومتشي لم تنشر إحصائياتها التي تظهر عدد السكان من كل إثنية.

ويبين التقرير أنه في الوقت الذي ضغط فيه على الإيغور لمغادرة المدينة، فإن أموال الحكومة بدأت تتدفق، حيث تريد بكين أن تكون مدينة أورومتشي بمثابة مركز لمشروع الطريق والحزام والصيني، وهو خطة شي لإنشاء بنية تحتية في آسيا وأوروبا وغيرها لتحديث طريق الحرير التاريخي، مشيرا إلى أن الحكومة وافقت العام الماضي على بناء مطار في المدينة، كلفته 6 مليارات دولار، بالإضافة إلى 4 مليارات دولار مشاريع بناء في أحياء المدينة، بما في ذلك مجمع صناعي تابع لمشروع الطريق والحزام.

ويشير الكاتبان إلى أن قيمة الاستثمار الكاملة في البنية التحتية وصلت إلى أكثر من 202 مليار يوان (30 مليار دولار) عام 2017، بزيادة 25% عن العام الذي سبقه، ونما أكثر من 9% في الأشهر العشرة الأولى من عام 2018، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتقول الصحيفة إن حكومة أورومتشي خصصت 70 مليار يوان (10 مليار دولار) العام الماضي؛ لهدم وإعادة بناء العشوائيات، التي عاش فيها أعداد كبيرة من المهاجرين الإيغور من جنوب سنجان، مشيرة إلى أن السلطات ترى أن الشباب المهاجرين، مثل أولئك الذين كانوا يخبزون النان، بأنهم محرضون على العنف وأهداف جاهزة للتطرف.

ويلفت التقرير إلى أن إحدى تلك المناطق التي هدمت هي منطقة هيجياشان، التي احتوت على بنايات عشوائية حول مسجدين وسوق قبل أن يتم هدمها بين عامي 2017 و2018، وكانت تشكل مركزا لحياة الإيغور في أورومتشي، بحسب بايلر من جامعة واشنطن، ويقول بايلر: “في أيام الجمعة كان يحضر صلاة الجمعة ما بين 5 آلاف و10 آلاف”.

وفي زيارة للمنطقة مؤخرا، فإن المسجدين كانا لا يزالان قائمين في ظل الأبراج، لكنهما خاليان من المصلين، وفي الوقت الذي كان يحاول فيه مراسلا “وول ستريت جورنال” تصوير المسجدين، فإنه تم اعتقالهما وأخذهما إلى محطة شرطة قريبة.

وقال لهما مسؤول عن الدعاية في المنطقة، استدعته الشرطة، بأن الحكومة كانت حريصة على عدم هدم المسجدين، “وهو ما يظهر احترام الحكومة للإسلام”.

وينوه الكاتبان إلى أنه كان في المدينة أكثر من 400 مسجد حتى عام 2015، بحسب الإعلام الحكومي، وتم إغلاق عدد منها، أو تغيير استخدامها في السنوات الأخيرة، في الوقت الذي تحاط فيه تلك المساجد التي لا تزال مفتوحة بأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة، ولا يرتادها إلا عدد قليل من كبار السن.

وتذكر الصحيفة أن السلطات الصينية بدأت مؤخرا بإطلاق سراح بعض المعتقلين، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية بحسب جين بونين، وهو روسي أمريكي عاش في أورومتشي، وكان قد أنشأ قاعدة معلومات تتضمن أسماء الأشخاص من إثنية الإيغور الذين اختفوا في سنجان، وقال بونين بأنه بدأت تصله تقارير عن إطلاق سراح معتقلين من أصدقائهم وعائلاتهم في كانون الأول/ ديسمبر، بعد موجة من الانتفادات لمعسكرات الاعتقال في الإعلام وفي الأمم المتحدة.

وينقل التقرير عن الخبير في سياسات الصين الإثنية أدريان زينز، قوله إن الحزب الشيوعي لا يهدف إلى القضاء على الإيغور، بل يريد أن يلغي أثر الإسلام في الثقافة الإيغورية ليظهر أن هناك شكلا من التعددية الثقافية لكن دون الجوهر، وأضاف زينز: “كان من المفترض أن يتم ذلك بشكل أوتوماتيكي، فمع التقدم المادي، يجب أن تتخلص الجماهير من أفيون الدين.. والنظام الحالي يحاول أن يساعد التاريخ على ذلك”.

وتختم “وول ستريت جورنال” تقريرها بالإشارة إلى أن السلطات في سنجان تحاول تشجيع السياحة، التي ستجلب معها الاستثمار، وتساعد على القضاء على الفقر الذي يولد التطرف.