مأزق الصين في الشرق الأوسط.. استبدال النفوذ الأمريكي قد لا يكون “وشيكاً”، وهذه هي الأسباب

المصدر: تركستان تايم

تتمتع الصين بالفعل بعلاقات قوية مع أغلب دول الشرق الأوسط، لكنها ترتكز على الاقتصاد، فهل يمكن أن تحل بكين محل واشنطن كالقوة العظمى المهيمنة في المنطقة؟ كلا، وهذه هي الأسباب.

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة في الانسحاب التدريجي من المنطقة، التي تمثل منطقة نفوذ تقليدي لواشنطن منذ نحو 80 عاماً، سعت الصين إلى تقوية تواجدها من خلال مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق، كما شيدت بكين أول قاعدة بحرية خارجية حول العالم، في منطقة القرن الإفريقي، بالقرب من الشرق الأوسط.

وعلى عكس الولايات المتحدة، التي أقامت نفوذها في المنطقة من الجانب العسكري والسياسي، تسعى الصين إلى تثبيت أقدامها في المنطقة من خلال الاستثمارات والقروض والشق الاقتصادي بشكل عام، لكن يبدو أن تلك الاستراتيجية هي بالتحديد المأزق الذي واجه بكين حالياً.

السياسة تتحكم في الشرق الأوسط

ورصد تحليل لدورية Eurasia Review الأمريكية بعنوان “الصين تتحرك نحو المياه المضطربة للشرق الأوسط”، الديناميات المتشعبة في دوائر صنع القرار في الشرق الأوسط، وكيف أن الانفصال عن النفوذ الأمريكي قد لا يكون أمراً وشيكاً كما يتخيل البعض.

ربما تستعد الصين لدخول مياه الشرق الأوسط المضطربة، ومن المرجح أن تُشكِّل الأزمات والصراعات المتعددة علاقات بكين مع القوى الكبرى في المنطقة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا.

وتشمل قائمة المخاطر المحتملة التي تواجه الصين تداعيات الحرب الأوكرانية، والعلاقات الأمريكية المتوترة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والمعارضة التركية لعضوية فنلندا والسويد في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتهديد تركيا بالقيام بعملية عسكرية جديدة ضد الأكراد في شمال سوريا، ومصير خطة العمل الشاملة المشتركة، وهي الاتفاقية الدولية لعام 2015 التي حدّت من برنامج إيران النووي، والتي تعرف إعلامياً باسم الاتفاق النووي.

وبحسب الدورية الأمريكية، فإنه بعيداً عن هذه الملفات أو الأزمات، يمكن القول إن هناك شيئاً واحداً يبدو مؤكداً، وهو أنه لا دول الخليج ولا تركيا لديها أية نية لتغيير علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة تغييراً جذرياً، حتى لو كانت الديناميات في حالات السعودية والإمارات وتركيا شديدة الاختلاف.

وفي الوقت نفسه، أوضحت الصين أنها ليست مستعدة ولا قادرة بعد على استبدال الولايات المتحدة، وذلك لأن استراتيجية بكين تختلف بشكل كامل عن استراتيجية واشنطن.

وفي السياق ذاته، أكدت الصين أيضاً أنه لكي تنخرط في الأمن الإقليمي للمنطقة، يتعين على دول الشرق الأوسط أولاً أن تسيطر على نزاعاتها حتى لا تخرج الصراعات عن السيطرة.

وتُعتبَر التحركات لخفض التوترات بين تركيا والسعودية والإمارات ومصر من خلال التركيز على الاقتصاد خطوة في هذا الاتجاه. ومع ذلك، فإنها لا تزال هشة، مع عدم تسوية أية قضية مُسبِّبة للخلافات.

الاتفاق النووي الإيراني وعلاقات الصين في المنطقة

قد يؤدي الفشل المحتمل لمفاوضات فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني إلى تخريب هذه الخطط المدروسة. إذ من المرجح أن يدفع ذلك إسرائيل والإمارات والبحرين والسعودية إلى تعزيز تعاونها الأمني​، لكنه قد يهدد بالتقارب مع تركيا.

ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى تصعيد التوترات في سوريا ولبنان واليمن والعراق، حيث تدعم إيران مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة السياسية والميليشيات، وعلى رأسها الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.

ولا يعتبر أي من هذه التطورات خبراً ساراً بالنسبة للصين، التي تفضل، مثل اللاعبين الرئيسيين الآخرين في الشرق الأوسط، الاستمرار في التركيز على الاقتصاد.

وتختلف الديناميات مع تركيا وإيران. إذ قد تراقب الصين بابتهاج توتر العلاقات بين أنقرة وحلف الناتو بسبب تقدم السويد وفنلندا بطلب الانضمام للحلف العسكري الغربي، لكن بقدر ما تسعى تركيا إلى صياغة مسار مستقل، فإنها لا تريد قطع رباطها مع الغرب الراسخ في عضويتها في الناتو.

وأخيراً، إيران. على الرغم من الأجواء الساخنة المحيطة بصفقة إيران السارية لمدة 25 عاماً مع الصين، وبقيمة 400 مليون دولار، فمن غير المرجح أن تزدهر العلاقات بين طهران وبكين بالكامل ما دامت إيران تخضع لعقوبات أمريكية، التي سيضمن فشل إحياء الاتفاق النووي استمرار فرضها.

وقد كشفت الصين أنها مستعدة لتجاوز الحدود العادية في انتهاك العقوبات أو التحايل عليها، لكن ليس إلى الحد الذي يجعل إيران نقطة احتكاك رئيسية أخرى في العلاقة المشحونة بالفعل بين الولايات المتحدة والصين.

وفي عالم تتسارع فيه التشعبات بسبب حرب أوكرانيا، ويتعرض الشرق الأوسط لخطر التوترات المتزايدة المحتملة في غياب اتفاق نووي، قد تجد دول الخليج أنَّ مبدأ “إن لم تكن معنا، فأنت ضدنا” يصبح العُرف السائد. وقد تحوطت دول الخليج في رهاناتها خلال الأشهر الأولى من حرب أوكرانيا، لكن قدرتها على فعل ذلك ربما تكون على وشك الانتهاء.

هل تريد دول المنطقة رحيل أمريكا فعلاً؟

وبدأت السعودية والإمارات بالفعل في إبداء بعض المرونة في مسألة إنتاج النفط، بينما تنخرط قطر مع أوروبا بشأن الغاز. ولن يؤدي التشعب إلى قطع العلاقات مع الصين، لكن من المرجح أن يقيد التعاون التكنولوجي ويضم إستراتيجيات التحوط الخليجية، بما في ذلك مفهوم منح الصين تسهيلات عسكرية.

وبالإضافة إلى القضايا الجيوسياسية والأمنية الحالية، هناك العديد من المشكلات الأخرى التي يُحتمَل أن تُمثِّل إشكالية وشرارات لاضطرابات أخرى.

وفي الآونة الأخيرة، عارضت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، النبرة المتزايدة العدوانية للدبلوماسية الصينية. وكتبت الصحيفة في افتتاحية: “الصين لا تقدم لنفسها أية خدمة … يبدو أنَّ المسؤولين الصينيين مصممون على تقويض حُجتهم الخاصة في القيادة العالمية… وبطريقة ما لا يبدو أنَّ المسؤولين الصينيين يدركون أنَّ عداءهم مثير للاشمئزاز… ويشبه الرعوية الغربية”.

وقد تصبح مساعي الصين للحفاظ على التوازن، خاصةً بين السعودية وإيران، أصعب. إذ سيؤدي الفشل في إحياء الاتفاق النووي إلى تعقيد المحادثات السعودية الإيرانية الصعبة بالفعل، التي تهدف إلى تهدئة التوترات.

ويمكنه أيضاً تأجيج سباق تسلح نووي وصواريخ وطائرات من دون طيار تُسرِّع وتيرته الإستراتيجية الأكثر عدوانية التي تتبناها إسرائيل وتدعمها الولايات المتحدة في مواجهة إيران وذلك بضرب أهداف في الجمهورية الإسلامية، بدلاً من قصف أهداف إيرانية في سوريا بدعم الولايات المتحدة، على سبيل المثال.

وعلى الرغم من أنَّ استعداد الصين لبيع الأسلحة قد يحظى بدفعة للأمام، قد تجد الصين أنَّ كلاً من السعودية وإيران صارتا أكثر تطلباً في توقعاتهما من بكين، لا سيما إذا تصاعدت التوترات.

قمع الإيغور.. الأزمة الأكبر للصين

أما البطاقة غير المتوقعة في هذه المجموعة من الملفات المتشابكة، فهو قمع الصين لأقلية الإيغور من المسلمين، وهم من أصل تركي، في مقاطعة شينغيانغ الشمالية الغربية. وقد أشاح غالبية العالم الإسلامي بوجهه بعيداً في أغلب الأحيان ولم يتفاعل مع الحملة الغربية الداعية لمعاقبة بكين بسبب حملة القمع.

وتكمن مشكلة الدول ذات الأغلبية المسلمة، لا سيما تلك الموجودة في الشرق الأوسط، في أنَّ العصر الذي يمكن للولايات المتحدة وغيرها أن تفلت فيه من تطبيق المعايير المزدوجة والنفاق الواضح في التمسك بالقيم قد أصبح يقترب من نهايته.

إذ تجلس الصين ودول الشرق الأوسط في بيوت زجاجية مماثلة، بحسب تحليل الدورية الأمريكية. وكانت التصريحات المثيرة للجدل الأخيرة التي أدلى بها متحدثون باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند بشأن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وعبادة المسلمين، قد أثارت عاصفة من الانتقادات بحق نيودلهي.

لكن يمكن القول إن انتقادات الدول الإسلامية لحكومة ناريندرا مودي الهندوسية بسبب التصريحات المسيئة لنبي الإسلام لا يقابلها انتقادات مشابهة وجه قمع المسلمين في شينغيانغ. لكن بالنسبة للبعض في الشرق الأوسط، قد يأتي الحساب عاجلاً وآجلاً.

إذ إن تركيا هي إحدى الدول التي لا تُعتبَر فيها قضية الإيغور في الصين مجرد قضية غير ذات صلة. إذ ينخرط الإيغور في السياسة المحلية في تركيا، التي تمثل موطن أكبر جالية من الإيغور في المنفى التي تدعم منذ فترة طويلة حقوق إخوانها الأتراك في الصين، ولا تزال تضم فروعاً قوية من القومية التركية.

الخلاصة هنا هي أن السؤال ليس ما إذا كانت الصين ستواجه مياهاً مضطربة في الشرق الأوسط أم لا، بل متى وأين قد يحدث ذلك.

https://arabicpost.live/%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84%d8%a7%d8%aa/2022/06/22