تسجيل أصوات الشعب برمته وكاميرات لرصد الملابس الطويلة.. كيف توظف الصين التكنولوجيا لمراقبة الأويغور؟

المصدر: تركستان تايم

” القرآن محظور، وصوت كل شخص مسجل إلكترونياً، وصلت عملية اضطهاد الإيغور من قبل الصين لمستوى صادم، خاصة بعد توظيف التكنولوجيا فيها، حسب كتاب جديد لناشط أويغوري.

فهناك إبادة ثقافية تجري الآن في الصين ضد الأويغور في البلاد. ففي ظل مراقبة شديدة من السلطات الصينية، وفي مواجهة تهديد مستمر بالاعتقال أو التعذيب، يعيش الآن هذا الشعب الناطق باللغة التركية في أقصى غرب الصين في ظل أول ديكتاتورية رقمية واقعية في العالم، حسبما ورد في تقرير لصحيفة New York Post الأمريكية.

ليس من المبالغة أن نقول إن تركستان الشرقية وتسميها الصين شينجيانغ بأكملها، وهي منطقة أصغر قليلاً من ولاية ألاسكا الأمريكية، قد تحولت إلى معسكر سجن عملاق في الهواء الطلق من قبل الحزب الشيوعي الصيني. كما يوضح المؤلف نوري توركل وهو ناشط أمريكي أويغوري، في كتابه الجديد “No Escape: The True Story of China’s Genocide of the Uyghurs – ما مِن مهرب: “القصة الحقيقية للإبادة الجماعية للأويغور في الصين”، فإن كل حي في مدن الأويغور الكبير والصغير لديه الآن “مركز شرطة” خاص به يديره ضباط شرطة مساعدون “منخفضو الرُّتَب”، وهم أكثر وحشيةً في إنفاذ القانون. تُحاط الأحياء نفسها بنقاط تفتيش، يضطر فيها أولئك الذين يريدون المغادرة إلى التحديق في الكاميرا لفحص الشبكية قبل المغادرة.

شبكة مراقبة لكل 20 أسرة

يُقسَّم كل حي إلى “شبكات” صغيرة من 15 إلى 20 عائلة،  لكل منها “مراقب”. وكما كتب المؤلف توركل، كُلِّفَ كل مراقب بالتطفُّل على جيرانه، والإبلاغ عن أي أنشطة تعتبرها بكين مشبوهة أو محظورة- مثل الممارسات الإسلامية مثل رفض أكل لحم الخنزير أو الصيام خلال شهر رمضان- للسلطات.

ثم هناك مراسم رفع العلم في صباح الإثنين، والتي يكون الحضور فيها إلزامياً. مع رفع العلم الأحمر للصين الشيوعية،  يكتب توركل،  وهو من عرق الأويغور، أن مسؤولي الحزب “يقودون إنشاد شعارات حول عظمة الحزب وأمينه العام، شي جين بينغ، وضرورة تخلي الأويغور عن إيمانهم بغيره”.

يروي توركل في كتابه قصة شابة تُدعى زمرت، تذكرت بارتجاف المرة الأولى التي أُجبرت فيها على التخلي عن الإسلام.

صاح المسؤول الحزبي الذي يقود الحشد إلى الأويغور المتجمِّعين: “هل هناك إله؟”.

توقف الحشد قبل أن يجيب بـ”لا”. كان عليهم أن يجيبوا بذلك، إذ كان أعضاء مراقبة الحي يدققون في ردود فعلهم وهم يقفون حول سارية العلم. حرَّكت زمرت شفتيها وهي مرعوبة، لكنها في الواقع لم تنطق بالكلمة التي تنكر إيمانها في تلك المرة الأولى.

سألهم المسؤول الحزبي: “من هو إلهكم الجديد؟”.

وهتف الحشد: “شي جين بينغ”.

وفي وقت لاحق، عندما عادت زمرت إلى المنزل، صلَّت ودعت الله أن يغفر لها.

لكن هذه الأساليب القديمة في المراقبة، والتي كان معظمها موجوداً بطريقة أو بأخرى منذ تأسيس جمهورية الشعب في عام 1949،  ما هي إلا البداية. إذ منح التطور التكنولوجي لشي جين بينغ طرقاً لمراقبة السكان باستخدام الذكاء الاصطناعي الذي كان الرئيس الراحل ماو مؤسس الصين الشيوعية يتمناه.

الصين تستخدم التكنولوجيا لنقل اضطهاد الأويغور إلى مرحلة صادمة

آليات عمل المراقبة الإلكترونية للأويغور تقشعر لها الأبدان، حسب وصف، الكاتب.

إذ يقول توركل إنه خلال السنوات القليلة الماضية، استُدعِيَ كل أويغوري بالغ إلى مركز الشرطة المحلي للخضوع لـ”سلسلةٍ من الفحوصات والاختبارات.. كان عليهم أيضاً القراءة من نص محدد لمدة 45 دقيقة حتى يمكن تسجيل أصواتهم والتعرف عليها، بحيث يعرف الجواسيس الذين لديهم أجهزة استماع موضوعة خارج منازل الناس مَن يتحدث”.

أخيراً، يُجبرون أيضاً على المشي والتحدث والابتسام والعبوس أمام صفٍّ من الكاميرات. والهدف من ذلك هو تدريب برنامج الذكاء الاصطناعي على تحديد كل أويغوري يظهر في فيديوهات المراقبة، وهو ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله الآن حتى عندما يُبعَد وجه الشخص عن الكاميرا.

الصين تحاول محو هوية الأويغور/رويترز

لكن هذا الذكاء الاصطناعي الذكي الذي نشره الحزب الشيوعي الصيني لم ينتهِ عند هذا الحد؛ بل يستمر على الفور في تحديد ما إذا كانت لحية الرجل شعثاء قليلاً أو فستان المرأة طويلاً جداً. هذه علامات على أن رجلاً أو امرأة من الأويغور ربما يمارسون شعائرهم الدينية سراً. وإذا حدد الذكاء الاصطناعي ذلك، ترسل أنظمة المراقبة مذكرة توقيف إلى الطابعة في مركز الشرطة المحلي.

وتتولى الشرطة- من هناك- إحضار المشتبه بهم للاستجواب، وتقييد أيديهم وأقدامهم ورقابهم في شيء يسمى “كرسي النمر”، وتسألهم، على سبيل المثال، ما إذا كانوا يؤمنون بالحزب الشيوعي أو بالله. والإجابة الخاطئة- “أنا أؤمن بالله”- تؤدي إلى التعذيب والسجن.

وجنَّدت السلطات الشيوعية الهواتف الذكية في شبكة المراقبة الخاصة بهم. وكما كتب توركل، طُلب من جميع الأويغور والأقليات الأخرى في “شينجيانغ” تنزيل تطبيق يسمى “Clean Internet Security Soldier”. يسمح هذا للذكاء الاصطناعي بالدخول إلى الهاتف ومراقبة كل تفاصيل حياتك بحثاً عن أي علامات على “نشاط مريب”.

عملاء شيوعيون يقيمون في منازل الإيغور

ليست بكين راضية عن مجرد مسح شبكية أعين السكان الأويغور قبل السماح لهم بعبور الشارع،  أو تتبع كل حركة يقومون بها على هواتفهم الخلوية. أُجبرت العديد من عائلات الأويغور على السماح للعملاء الشيوعيين بالبقاء معهم- والتجسس عليهم- في منازلهم. وفقاً لتوركل، تُظهر وثائق الحزب الشيوعي الصيني أن مئات الآلاف من رجال الشرطة أو الجيش أو الأمن قد خُصِّصوا لمراقبة العائلات بهذه الطريقة، ويعرِّفون أنفسهم على أنهم “أقارب” هذه العائلات.

هؤلاء “الإخوة الكبار” يحظرون استخدام لغة الأويغور في المنزل، ويحاولون رشوة الأطفال للإبلاغ عن آبائهم، وغالباً ما يعتدون جنسياً على الأمهات والبنات.

يروي توركل كيف أن امرأة “طعنت” أحدهم حتى الموت بعد أن “اعتدى الرجل جنسياً عليها وابنتها (12 عاماً). لم تستطع الذهاب إلى الشرطة للإبلاغ عن الاعتداء الجنسي، لأن الدولة كانت متواطئة.. اختفت المرأة وابنتها دون أن تتركا أثراً”.

يستمر هذا الاعتداء حتى عندما لا يزال أزواج الأويغور يعيشون في المنزل، لأن الرجال غالباً ما يخشون التدخل. عندما اشتكت إحدى النساء لزوجها من أن “قريبها” الصيني (رجل الأمن الصيني المقيم لديها) كان يضغط عليها لممارسة الجنس معه، على حد قول توركل، “شعر الرجل بالرعب وأصر على أنه لا يوجد شيء يمكنهم فعله. لقد كسر الصينيون كرامة هذا الرجل الأويغوري، لدرجة أنه لم يكن راغباً في حماية زوجته، والدة طفله”.

بينما يُحتَجَز الأويغور رهائن في منازلهم، يُمحَى تاريخهم ولغتهم وثقافتهم ودينهم بشكل منهجي في جميع أنحاء وطنهم القديم. وكما كتب توركل، فإن لغة الأويغور، التي تنتمي لمجموعة اللغات التركية، لم تعد تُدرس في المدارس المحلية، وحُظِرت الكتب عن تاريخ الأويغور. المساجد والأضرحة التي ظلت قائمة منذ قرون تُهدَم بالمئات، ويعتبر حيازة نسخة من القرآن جريمة. وحتى في الوقت الذي تُشجَّع فيه النساء الصينيات من عرقية الهان في تركستان وأماكن أخرى من قبل الحزب على إنجاب المزيد من الأطفال، يُطلب من نساء الأويغور أن ينجبن عدداً أقل- مع استخدام وسائل منع الحمل والتعقيم وحتى الإجهاض المفروضة عليهن.

https://rasediraqi.com/193107/